م.د اسراء فاضل كاظم

تعد الصحة العامة عنصراً اساسياً وجوهرياً من عناصر النظام العام وهي ركيزة اساسية من ركائز التنمية المستدامة والتقدم البشري، وأهميتها لا تقتصر على غياب الامراض فحسب بل تتعداها الى تحقيق الرفاه الاجتماعي، ولضمان نشر الصحة العامة والمحافظة عليها لابد من تحقيق الأمن الغذائي بوصفه عنصر من عناصرها المهمة والمتمثل بحصول افراد المجتمع على الغذاء النظيف والسليم الذي يشكل حقاً اساسياً للإنسان، إلا أنه مع تزايد أطماع بعض النفوس الضعيفة باتت تظهر بين الحين والآخر أساليب إجرامية مستحدثة تتجاوز حدود الغش التجاري التقليدي لتصل إلى مرحلة الإجرام المنظم ضد أرواح الناس، وتأتي جريمة تداول وبيع لحوم الحيوانات المحظورة شرعاً وغير الصالحة للاستهلاك البشري في صدارة هذه الجرائم.
ولجرائم الغش التجاري بعدان خطيران يكمل كل منهما الآخر، البعد الاول اخلاقي لأنها تعبر عن موت الضمير وانعدام الوازع الأخلاقي والديني وبنفس الوقت تُعد تخريباً لمنظومة الثقة والأمانة بين أفراد المجتمع، حيث فضل الجاني الكسب المادي على حياة الناس وسلامتهم. والبعد الآخر هو القانوني والمتمثل بكونها جريمة من الجرائم الخطيرة التي تمس صحة الأفراد وأمنهم الغذائي وسلامتهم لذلك لم يتردد المشرع الجزائي في تكييفها ضمن الجنايات لخطورتها الفادحة على افراد المجتمع وأمنهم الصحي. واذا ما نظرنا اليها كجريمة مكتملة الاركان فأن اثبات المسؤولية الجزائية يتطلب توفر الركن المادي المتمثل بفعل التدليس والاستبدال المتمثل باستبدال لحوم المواشي بلحوم اخرى مختلفة في طبيعتها وما يزيد الأمر خطورة هو أن هذه اللحوم قد تم ذبحها وتداولها خارج نطاق الرقابة الصحية والبيطرية الرسمية، متجاوزةً بذلك كافة الفحوصات الطبية الضرورية للتأكد من سلامتها وصلاحيتها للاستهلاك البشري، وهذا الغياب التام للرقابة الصحية عند الذبح يقودنا مباشرة إلى البحث في الركن المعنوي لهذه الجريمة إذ لا يُعد هذا الفعل مجرد إهمال، بل يثبت بالدليل القاطع توافر القصد الجنائي، حيث كان الجاني عالماً تماماً بأن ما يقوم به سيضر بصحة الناس ومع ذلك تعمّد ارتكابه لتحقيق مكسب غير مشروع وأمام جسامة هذا الفعل الإجرامي واكتمال أركانه المادية والمعنوية، وتعمد الجاني التهرب من الرقابة الصحية تعريضاً لأرواح الناس للخطر، كان لزاماً على المشرع أن يتصدى بحزم لهذه الجريمة حيث أقرّ عقوبات رادعة وقاسية تتناسب مع فداحتها، تتمثل بالسجن مدة لا تقل عن سبع سنوات ولا تزيد على عشر سنوات فضلاً عن عدّها كظرف مشدد في حالة الحرب.
ختاماً نرى إن فرض العقوبات القانونية مع يقظة الضمير الاخلاقي لأفراد المجتمع هو الضمانة الوحيدة لاجتثاث هذه الجرائم من جذورها فكما أن القانون يعاقب المعتدي، يظل الوازع الأخلاقي هو السياج الأول لحماية صحة افراد المجتمع، فضلاً عن تفعيل الرقابة الميدانية الصارمة على الأسواق والمطاعم تجنباً للغش التجاري وصيانةً للأمن الاقتصادي والصحي.
المصدر:1- قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم ( 146) لسنة 1998 .
