م. عمر علي محمد
قسم العلوم السياسية

ظلت الموارد الطبيعية لعقود طويلة محرّكاً أساسياً للصراعات الدولية، فخاضت الإمبراطوريات حروباً من أجل النفط والغاز والمياه، واعتبرت السيطرة على الممرات البحرية والثروات الجوفية جوهر القوة الوطنية، لكن مع دخول العالم عصر الذكاء الاصطناعي والحرب السيبرانية، بدأ السؤال الاستراتيجي الأهم يتشكل (هل ما زالت براميل النفط وحقول الغاز هي الهدف الأغلى، أم أن الخوارزميات والبيانات والبنية التحتية الرقمية ستزيحها من عرش الصراع الدولي خلال العقدين القادمين؟) لعل الحرب الروسية الأوكرانية كانت المرآة الأكثر وضوحاً لهذا التساؤل، إذ كشفت عن توليفة معقدة من سلاح الغاز وهجمات القرصنة، أعادت تعريف معنى “الردع” في القرن الحادي والعشرين.
اذ لا يمكن الاستهانة بالموارد الطبيعية، فهي ليست مجرد وقود، بل أداة ابتزاز وردع بامتياز. والحرب الروسية الأوكرانية خير دليل؛ إذ استخدمت موسكو الغاز الطبيعي سلاحاً سياسياً بخفض تدفقاته عبر “نورد ستريم”، مما أشعل أزمة طاقة في أوروبا ورفع الأسعار إلى مستويات تاريخية، وكاد يهدد التماسك الاجتماعي في ألمانيا وفرنسا. ولم يتوقف الأمر عند الغاز، بل امتد إلى الحبوب الأوكرانية، حيث تعطلت موانئها وتحولت سلة غذاء العالم إلى أزمة قمح رفعت أسعاره وأثارت شبح المجاعة في إفريقيا والشرق الأوسط، أما خارج أوكرانيا، فيشتعل سباق محموم على المعادن النادرة كالليثيوم والكوبالت -“النفط الأبيض” لعصر البطاريات – تتنافس عليه الصين وأمريكا في إفريقيا بشراسة لم نشهدها منذ أيام النفط الخليجي.
في المقابل، باتت القوة السيبرانية تمتلك ميزة قاتلة وهي (التكلفة المنخفضة مقابل التدمير الهائل) فوفقاً لتقرير “مايكروسوفت” 2023، تكلف الهجمة السيبرانية على البنية الحيوية أقل من 0.1% من تكلفة غارة جوية، لكن أضرارها قد تعادل مئة ضعفها، وفي السياق الأوكراني، سبقت الحرب الروسية – ورافقتها- حرب سيبرانية شرسة فقبل الغزو بأشهر، تعرضت البنوك والمواقع الحكومية لهجمات شلّت الخدمات، واستُهدفت شبكات الكهرباء ببرمجيات خبيثة لإغراق البلاد في ظلام رقمي متزامن مع الظلام العسكري. لكن أوكرانيا ردّت بـجيش سيبراني تطوعي من خبراء العالم، شنّ هجمات مضادة على سكك حديد روسيا وأنظمة صواريخها، مثبتاً أن العقول الرقمية قد تعوّض جزءاً من التفوق التقليدي. وهكذا أدرك العالم أن المعركة القادمة ستُحسم في وحدات المعالجة المركزية قبل ساحات القتال.
والحقيقة الاستراتيجية الأكثر دقة، هي أننا لسنا أمام معادلة استبدال بل أمام معادلة (دمج هجين) فروسيا استخدمت الغاز كسلاح، لكنها فشلت في حماية أنظمتها السيبرانية من هجمات أوكرانية اخترقت وزاراتها، وفي المقابل نجحت أوكرانيا في الصمود رقمياً لكنها عجزت عن تعويض نقص مواردها الطبيعية دون مساعدات خارجية، وكما أثبتت الحرب الأوكرانية، فإن الموارد الطبيعية هي “القلب” الذي يضخ الطاقة، وأن الأمن السيبراني هو “العقل” الذي يقرر متى يتوقف هذا القلب عن النبض، ولا قيامة لأحدهما دون الآخر فالغاز يغذي مولدات الكهرباء التي تشغل الخوادم، والخوادم تدير أنظمة استخراج الغاز القوة العظمى في 2040 لن تكون من تمتلك أكثر الموارد أو أقوى القراصنة، بل من تمتلك (جيشاً هجيناً) يجيد الدفاع عن الحقول والخوادم معاً.
ختاماً فأن التنافس القادم لن يحسمه برميل نفط، ولا هاكر خارق، بل (فلسفة الدولة) في كيفية الموازنة بين أمنها المادي وأمنها الرقمي، وما جرى في أوكرانيا ليس سوى بروفة مبكرة لحروب مستقبلية ستجمع بين قطع كابلات الإنترنت وتفجير آبار النفط في آن واحد وهي دعوة مفتوحة للدول العربية والدول النامية على وجه الخصوص، كي لا تكرر خطأ الاستثمار الأحادي فالميزانيات الدفاعية اليوم يجب أن تنقسم بين شراء الطائرات وتأهيل القوى السيبرانية الردعية غير الرسمية،، وبين حماية حقول النفط وتحصين مراكز البيانات، الفائزون سيكونون أولئك القادرون على إدارة ( ثنائية النفط والخوارزميات ) بذكاء، لا باندفاع، لأن الحرب القادمة ستدار على مستويين (مستوى مادي تقليدي، ومستوى رقمي معلوماتي).
