م.د. قاسم خضير عباس
شهدت الحروب تطورًا كبيرًا على مدى العقود الأخيرة، إذ تحولت من النزاعات والحروب التقليدية التي تعتمد بشكل كبير على التفوق العددي والقدرات العسكرية التقليدية، مثل الجيوش الكبيرة والمدفعية الثقيلة، إلى نوع جديد من الحروب يعتمد بشكل أكبر على التكنولوجيا المتقدمة، هذا التحول كان مدفوعًا بالتطور السريع في مجالات الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، الشبكات السيبرانية، والطائرات بدون طيار، مما غير طبيعة الصراعات بشكل جذري.
ويعد الذكاء الاصطناعي (AI) أحد أكثر التقنيات تأثيرًا في الحروب الحديثة، إذ يعمل الذكاء الاصطناعي على تحسين القدرة العسكرية من خلال تمكين الجيوش من تحليل البيانات الضخمة، واتخاذ قرارات سريعة ودقيقة، وتحديد الأنماط التي يصعب على البشر ملاحظتها، كما يتم استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير أنظمة قتالية مستقلة، مثل الطائرات بدون طيار والمركبات ذاتية القيادة، التي يمكنها القيام بمهام عسكرية معقدة دون الحاجة إلى تدخل بشري.
ويمكن تعريف الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة بأنه دمج الخوارزميات المتقدمة في كافة مستويات العملية العسكرية لتحقيق تفوق حاسم، لم يعد دوره مقتصراً على الاتمتة، بل أصبح عنصراً اساسياً في دعم القرار، وتحليل المعطيات وإدارة العمليات المعقدة.
وقد يبدو لوهلة الأولى أن الموضوع واسع جداً ومعقد ولا يمكن اختزاله ببعض الكلمات لكننا نحاول تبسيط هذه فكرة من خلال دراسة العلاقة بين الذكاء الاصطناعي بين والحروب الحديثة والتي أصبح “دماغاً”، للعمليات العسكرية، يعيد تشكيل طرق اتخاذ القرار والتنفيذ.
ويعرف (كلاوز فيتز) الحرب انها استمراراً للسياسة بوسائل أخرى، ولم تحدد الوسائل التي تستخدم في كل حرب، لكنها تتأثر بالتطور التقني والتكنولوجي والرقمي في كل عصر من عصور الزمن، ويبرز هذا الشيء من خلال تعاقب أجيال الحرب التي كانت أدواتها متنوعة ومختلفة من جيل لأخر.
كما ان العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والحروب علاقة متداخلة، وذلك ان الذكاء الاصطناعي غير العديد من العقائد العسكرية والقتالية لعديد من جيوش دول العالم، فضلاً عن ذلك بوجود الذكاء الاصطناعي باتت تحقق أهدافاً كبيرة وبشكل أسرع.
وفي عالم لا يبدو أنه يستقر على حال، تتبدل فيه موازين القوة كما تتبدل فيه خرائط النفوذ، وان الصراع على القوة والثروة والمكانة ظل عنصراً مستمراً في السياسة العالمية، لكن توزيع هذه القوة بين الدول يتغير بأستمرار نتيجة النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي وانتشار أساليب الإنتاج والقوة.
ويصاحب تزايد ادماج التطبيقات التكنولوجية الفائقة التطور في الصناعات العسكرية إلغاء الطرق التقليدية والقديمة الثابتة للتفكير في الحرب، وظهور أنواع جديدة منها ونزاعات لم تعتدها الدول من قبل، التي لم لن يقتصرها تهديدها على الأمن القومي للدول الكبرى فقط، لكنه سيمتد الى الدول الصغرى هذا من جانب.
ومن جانب آخر يرى المؤرخ البريطاني(بول كيندي) في كتابة “الاستعداد للقرن الحادي والعشرين”، ان القوى التي ستشكل القرن الحادي والعشرين ليست فقط صراعاً بين الدول، بل هي قوى عابرة للحدود في بيئة رقمية تكنولوجية تعمل في آن واحد وتتفاعل بطرق معقدة وغير متوقعة.
وتشكل مجالات التطبيقات والتوظيف العسكري للذكاء الاصطناعي ليشمل طيفاً واسعاً من الوظائف العسكرية، وهناك مجموعة من التطبيقات منها الاستخبارات والاستهداف ونظم القيادة والسيطرة وكذلك الطائرات من دون طيار (الدرونز) والحرب السيبرانية.
كما ان توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري وتطبيق تكنولوجية جديدة في الأنظمة العسكرية، مما يؤدي الى تغيرات جذرية تمس مجموعة من المفاهيم العملياتية والتنظيمية وطبيعة سير العمليات العسكرية، التي تزيد من الفاعلية القتالية من خلال أنواع متعددة من التغيير متزامنة وذات دعم متبادل وعلى مستويات متباينة من التغيير التقني وتطور الأنظمة العسكرية والابتكار العملياتي والتكييف التنظيمي.
وكذلك تتوزع أدوات الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية الحديثة على عدة مجالات حيوية تشكل معاً “حلقة قتل ذكية” متكاملة، كالاستخبارات والمراقبة والاستطلاع” صور الأقمار الصناعية والاشارات والاتصالات، وكذلك دعم القرارات والعمليات والأسلحة الذاتية والأنظمة غير المأهولة التي تستخدم في الحروب السيبرانية وكذلك عمليات الدعم والوجستي والامداد.
على الجوانب القانونية يطرح استخدام الأسلحة ذاتية التشغيل إشكاليات قانونية واخلاقية عميقة حول المسؤولية عن الضحايا المدنيين، مما دفع العديد من المنظمات الدولية ومنها الأمم المتحدة على فتح حوارات ونقاشات خاص بالمسؤولية والمشكلات الإنسانية التي يخلفها استخدم هذه الأدوات الرقمية الذكية.
ختاماً: يبقى الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة سلاح ذو حدين، يوفر سرعة ودقة غير مسبوقة، لكنه في الوقت نفسه يخلق تبعية خطيرة ويطرح أسئلة كثيرة أخلاقية ووجودية حول مستقبل الصراع البشري المستمر.
