
أ م د حسين عمار الكرادي
يشهدُ العصر الحالي تحولات تقنية متسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي, التي أضحت تمس مختلف نواحي الحياة المعاصرة, وتؤثر بشكل مباشر في مجالات العدالة والصحة والأمن والاقتصاد والخدمات؛ مما يفرض ضرورة ملحة لصياغة إطار قانوني متكامل يضمن التوازن الدقيق بين تشجيع الابتكار, وحماية الحقوق والحريات الأساسية للأفراد, وتنطلق مبررات هذا التنظيم من أبعاد دستورية وقانونية وأمنية متضافرة إذ يكفل الدستور حماية الحقوق والحريات الأساسية, وفي مقدمتها صيانة الخصوصية, وحظر اختراق البيانات, أو التعدي على الحرية الشخصية, وحرمة المساكن, وكرامة الإنسان وفق المبادئ الدستورية المستقرة كالمواد (15-17) من الدستور العراقي لعام 2005 مما يجعل تنظيم استخدام التقنيات الذكية ضمانة أساسية لحماية الفرد من توغل التكنولوجيا؛ ليمتد نطاق هذا التنظيم ليشمل معالجة إشكالية المساءلة عن القرارات الآلية, والضرر الناجم عن الأنظمة الذكية المستقلة من خلال تحديد الجهة المسؤولة عن تلك الأضرار سواء أكانت الشركات المطورة أم الجهات المستخدمة أم المشغلة حيث تتوزع قواعد المسؤولية بين: المسؤولية المدنية التقصيرية القائمة على تعويض الضرر وفق أحكام المادة (202) من القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951, وكذلك قواعد المسؤولية الجنائية الشديدة الشفافية التي تظل شخصية وتبحث عن الشخص الطبيعي الذي شغل النظام أو طوّره, وصولاً إلى المسؤولية الإدارية للنظام الذكي المستعمل في المؤسسات الحكومية بناء على قانون انضباط موظفي الدولة والقطاع العام رقم (14) لسنة 1991 المعدل. وتكتمل المبررات القانونية بالحد من المخاطر الأمنية الناجمة عن التطبيقات العسكرية أو أنظمة المراقبة الجماعية التي قد تهدد الأمن القومي, وتستند في تنظيمها إلى الصلاحيات الدستورية الحصرية للحكومة الاتحادية في وضع السياسات الأمنية والدفاعية بموجب المادتين (9- 110) من الدستور وتتأسس القواعد الحاكمة لهذا الإطار التنظيمي على أربعة مبادئ أساسية: أولها مبدأ الشفافية الذي يكفل إمكانية فهم الأسس التي تتخذ بناء عليها القرارات الذكية وتمكين الأفراد والجهات الرقابية من مراجعة الخوارزميات, وثانيها مبدأ عدم التمييز الذي يفرض خضوع الأنظمة لاختبارات دورية محايدة لضمان خلوها من أي انحياز خوارزمي, وثالثها مبدأ الرقابة البشرية الذي يحظر الاعتماد الكلي على الآلة في اتخاذ القرارات الحساسة ويُبقي القرار النهائي بيد العقل البشري منعاً لأنسنة الآلة وتجريد القرارات من القيم والأخلاق الإنسانية, ورابعها مبدأ الحماية المسبقة أو الوقاية الذي يتطلب إخضاع التقنيات الذكية لتقييم استباقي للمخاطر قبل إطلاقها في الأسواق للتأكد من سلامتها وحماية المجتمع وحرياته, ولتطبيق هذه المبادئ بفاعلية, تبرز الحاجة إلى اعتماد آليات تنظيمية مقترحة تشمل: إنشاء هيئة وطنية متخصصة تتولى إصدار التراخيص الموثقة ووضع المعايير الفنية والقانونية والرقابة عليها, وتشكيل لجنة وطنية لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي تضم خبراء في القانون وحقوق الإنسان والتكنولوجيا لمراجعة المشاريع الكبرى كأنظمة المراقبة الذكية والصحة الرقمية والتعليم الحركي, بالإضافة إلى سن تشريع قانوني خاص يحدد المسؤوليات ويفرض عقوبات رادعة على المخالفين, وبذلك يشكل هذا التنظيم القانوني الشامل ضمانة حقيقية لعدم تحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة للسيطرة أو تقييد الحريات, بل وسيلة سخرت لخدمة الإنسان ضمن بيئة آمنة ومستدامة.
