
أ.م.د فراس سامي
يُعد المستهلك الطرف الأساسي في النشاط الاقتصادي، إذ ترتبط حياته اليومية بالحصول على مختلف السلع والخدمات، إلا أن العلاقة التي تجمعه بالمنتج أو المجهز أو مقدم الخدمة قد تتسم بعدم التكافؤ، نتيجة تفاوت المعرفة والخبرة والقدرة الاقتصادية. فالمجهز يمتلك معلومات فنية وتجارية لا تتوافر للمستهلك، الأمر الذي قد يجعله عرضة للغش أو التضليل أو استغلال حاجته. ومن هنا برزت الحاجة إلى تدخل المشرع لتوفير حماية قانونية تكفل للمستهلك حقوقه ومصالحه المشروعة.
وفي العراق، جاء قانون حماية المستهلك رقم (1) لسنة 2010 ليشكل الإطار التشريعي الأساسي لهذه الحماية، إذ استهدف الحفاظ على حقوق المستهلكين ومنع الضرر عنهم، فضلاً عن رفع مستوى الوعي الاستهلاكي ومنع الممارسات التي تؤدي إلى تضليل المستهلك أو الإضرار بمصالحه.
وتتجلى الحماية القانونية في مجموعة من الحقوق التي قررها المشرع للمستهلك، يأتي في مقدمتها الحق في المعرفة والإعلام، إذ ينبغي أن يحصل المستهلك على المعلومات والبيانات المتعلقة بالسلعة أو الخدمة ومواصفاتها وطرق استعمالها، بما يمكنه من اتخاذ قرار تعاقدي قائم على إرادة واعية وسليمة. وتكتسب هذه الحماية أهمية خاصة، لأن رضا المستهلك لا يكون سليماً إذا كان قائماً على معلومات ناقصة أو مضللة.
ويلاحظ في هذا المجال أن التشريعات المقارنة أولت أهمية واضحة للالتزام بضمان سلامة المستهلك. ففي القانون المدني الفرنسي، نظم المشرع المسؤولية عن المنتجات المعيبة ضمن المواد (1245 وما بعدها)، وربط عيب المنتج بعدم توفيره السلامة التي يحق للمستهلك توقعها مشروعة، بما يجعل السلامة معياراً في تحديد مسؤولية المنتج. كما أكد قانون حماية المستهلك اللبناني رقم (659) لسنة 2005 حق المستهلك في حماية صحته وسلامته، وأوجب اتخاذ التدابير عند اكتشاف عيب يمكن أن يهدد سلامة المستهلك أو صحته.
أما المشرع العراقي، فعلى الرغم من إقراره حماية المستهلك من السلع والخدمات التي قد تشكل خطراً عليه، فإن قانون حماية المستهلك رقم (1) لسنة 2010 أبرز بصورة واضحة الالتزام بالإعلام وتوفير المعلومات والبيانات للمستهلك، وجعله من أهم وسائل الحماية القانونية. ومن ثم يلاحظ اختلاف في زاوية الحماية؛ فبينما يظهر في التشريعين الفرنسي واللبناني اهتمام واضح بضمان السلامة، يركز التشريع العراقي بدرجة أكبر على تمكين المستهلك من المعرفة والإعلام، مع عدم إغفاله لجانب السلامة والمطابقة للمواصفات.
وتبرز أهمية هذا الاختلاف في أن الإعلام، مهما بلغت دقته، لا يكفي وحده لتحقيق الحماية إذا كانت السلعة في ذاتها غير آمنة. فقد يكون المستهلك عالماً بخصائص المنتج، ومع ذلك يتعرض للضرر نتيجة عيب في تصميمه أو تصنيعه أو عدم توافر شروط السلامة فيه. ولذلك تبدو الحاجة قائمة إلى تعزيز الحماية التشريعية العراقية من خلال إيلاء الالتزام بضمان السلامة أهمية أوضح، بما ينسجم مع التطور الذي شهدته التشريعات في مجال المسؤولية عن المنتجات المعيبة.
ولا تقتصر الحماية على مرحلة إبرام العقد، وإنما تمتد إلى مرحلة التنفيذ وما بعدها، من خلال ضمان حقوق المستهلك في الحصول على الضمان وخدمات ما بعد البيع، فضلاً عن تمكينه، في الحالات التي حددها القانون، من إعادة السلعة والمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي يلحق به أو بأمواله. كما اعتمد المشرع وسائل رقابية ومؤسسية، من بينها إنشاء مجلس حماية المستهلك وتلقي الشكاوى والتحقيق فيها ومتابعة الأسواق واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه المخالفين.
ومع ذلك، فإن وجود النص القانوني لا يكفي وحده لتحقيق حماية فعلية للمستهلك، ما لم يقترن بتطبيق جاد وفعال، ورقابة مستمرة على الأسواق، وسرعة في معالجة الشكاوى، وفرض الجزاءات على المخالفين. كما أن تطور التجارة الإلكترونية والإعلانات الرقمية يفرض تحديات تستدعي تطوير وسائل الحماية القانونية بما يتلاءم مع طبيعة هذه المعاملات الحديثة.
وعليه، فإن التشريع العراقي قد وضع أساساً مهماً لحماية حقوق المستهلك، إلا أن تعزيز هذه الحماية يقتضي التكامل بين الالتزام بالإعلام والالتزام بضمان السلامة، بحيث لا يتحمل المستهلك وحده مخاطر المنتج بعد معرفته بخصائصه، وإنما يتحمل المنتج أو المجهز مسؤولية طرح سلعة آمنة ومستوفية لمتطلبات السلامة. ومن شأن هذا الاتجاه أن يوفر حماية أكثر فاعلية، ويحقق توازناً بين مصالح المستهلكين والمجهزين، ويعزز الثقة والشفافية في المعاملات الاستهلاكية
